الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي

125

محجة العلماء في الأدلة العقلية

زمان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم أيضا من غير فرق وبالجملة فلم يتغير الحال باختلاف الأزمان مع انّ الاحكام الشرعيّة لم تكن مفوضة إلى عثمان ولم ينزل جبرئيل عليه السّلام عليه فلم ينطق الّا عن الهوى ولكن هذه المقالة من الجماعة افتراء على عثمان فإنه لم يرد حصر القراءة بهذا المعنى في واحد كما عرفت مع أن مقتضى الرواية كون الآخر والسّبعة المفسرة باللّغات كلها ممّا نزل عليها القرآن لا خصوص لغة قريش وقال القاضي أبو بكر في الانتصار لم يقصد عثمان قصد أبى بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين وانما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النّبى صلى اللّه عليه وآله وسلّم والغاء ما ليس كذلك واخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير ولا تأويل أثبت مع تنزيل ولا منسوخ تلاوته كتب مع مثبت رسمه ومفروض قراءته وحفظه خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعده انتهى وهذا الوجه وان كان أحسن من سابقه حيث إنه لا يشتمل على نسخ عثمان الوجوه المسوغة في قراءة القرآن ولكن فيه من الانظار ما لا يخفى منها ان اقتتال الغلمان والمعلّمين الباعث على الجمع شاهد على أن الاختلاف لم يكن في القراءة على النحو الموجود الآن بين القراء فان الغلمان انما يتعلمون نفس القرآن وليس لهم شأن الاقتتال في وجوه القراءة بل تعلّمها كما لا يخفى وأيضا هذا النحو من الاختلاف لا يكاد ان يكون كفرا وأيضا لا يصلح ان يكون مسوّغا لاحراق المصاحف وأيضا لا يصير منشأ للاقتتال ومنها ان الاقتتال في ما عدا القراءات الثابتة عن عند النّبى صلى اللّه عليه وآله وسلّم غير معقول الّا مع الاعتقاد بالثبوت وبطلان غيره وهو مع عدم مستند يصلح للركون اليه لا يوجب ذلك النحو من الاختلاف المسوغ للاحراق ومع ثبوته لا يجوز منعه فضلا عن ارتكاب الاحراق له ومنها ان جميع الوجوه لم يكن يكتب في المصاحف حتى تثبت القراءات المأثورة ويمحى غيرها ومن هذه الجهة صار كلام أبى بكر أسخف من كلام ابن التين ومنها ان ظاهر مقالة عثمان ان القرآن لم ينزل الّا على لغة قريش فعلى توجيه أبى بكر كان المناسب ان يقول إن القرآن نزل على سبعة أحرف مثلا فلا تكتبوه الّا بها فتدبّر ومنها جعله وجه الجمع على النحو المخصوص خشية دخول الفساد على من يأتي بعد فإنك قد رايت رواياتهم المتوافقة على أن الفساد الواقع بعثه على ذلك لا خوفه من الوقوع وفيه اغلاط أخر لا الإشارة إليها فتدبّر وقال الحارث المحاسبي المشهور عند النّاس ان جامع القرآن عثمان وليس كذلك انما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار لما خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات المطلقات على الحروف السّبعة الّتى انزل بها القرآن فامّا لسابق إلى جمع الجملة فهو الصديق وقد قال علي عليه السّلام لو وليت لعملت بالمصاحف التي ارسل بها عثمان إلى الآفاق أقول والعجب ممّن يدعى ان القراءات السّبعة متواترة عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم مع كون الاختلاف فيها في ذلك الزمان بهذه المثابة وهذا المسكين المتفوه بهذه المقالة المتّضحة لفساد لم يتنبّه إلى أن عثمان لم يأمر بكتابة القرآن على جميع الوجوه المأثورة وهجر ساير الوجوه في الكتابة فان القرآن لم يكتب الّا على وجه واحد بل لم يكن مشتملا الّا على نفس الآية من غير اعراب وتحديد مع أن عدم كتب وجه من الوجوه في المصحف لا يمنع القارى من أن يقرئه بالضرورة كما هو الحال في زماننا والاعصار الماضية وامّا ما حكى